أبو علي سينا
58
الشفاء ( المنطق )
أما التصديق فيتقدمه معلومات ثلاثة : أحدها تصور المطلوب وإن لم يصدق به بعد . والثاني تصور القول الذي يتقدم عليه في المرتبة . والثالث تصديق القول الذي يتقدم عليه في المرتبة . فيتبع هذه الثلاثة المعلومات تصديق بالمطلوب . وسواء جعلت القول الذي يتقدم عليه بالمرتبة قياسا أو استقراء أو تمثيلا أو ضميرا « 1 » أو غير ذلك ، فلا بد من مقدمة أو مقدمات يحصل العلم بها من وجهين : من جهة التصور أولا ، والتصديق ثانيا ، حتى يكتسب بها تصديق لم يكن . وأما التصور فيجب أن يتقدمه تصور أجزاء الحد أو الرسم لا غير « 2 » . وفي الصناعات العملية أيضا إنما يتوصل إلى التعليم والتعلم من علم متقدم « 3 » : كما أن متعلم النجارة يجب أن يعلم أولا ما الخشب وما القدوم ، وأن الخشب من شأنه أن ينحت بالقدوم وينشر بالمنشار ويثقب بالمثقب وما أشبه هذا « 4 » . واعلم « 5 » أنه لما قيل : كل تعليم وتعلم ذهني ، حسبوا أن الغرض في قوله " ذهني " هو أن يفرق عن الحسي . قالوا فإنه قد يتعلم أيضا حسي عن علم قد سبق : كمن أدرك شيئا بالحس ثم نسيه فهو يتطلبه ويتعرفه ، فيكون هذا التطلب الثاني بعد علم سبق . وهذا مما ليس يعجبني : فإنه يشبه أن يكون التعلم والتعليم لا يقالان على ما يستفاد بالحس . ولو أن إنسانا أرى إنسانا غيره شيئا ما عرضه على حسه فأفاده إدراكا لمحسوس لم تكن عنده معرفته ، فإنه لا يقال لنفس ما فعل به الآخر إنه علمه شيئا ، ولا يقال للمفعول به ذلك إنه تعلم شيئا ، اللهم إلا أن يكون إنما أراه ما أراه ليحدث له به ملكة ما صناعية . وذلك إذا كان « 6 » ما يريه هو هيئة عمل . وذلك اعتبار غير اعتبار كونه مدركا لذلك من حيث هو محسوس . والأشبه أن يكون هذا أيضا ليس تعليما وتعلما ، بل تعريفا وتعرفا ، وألا يكون إدراك الجزئيات علما بل معرفة . وبعد ذلك فإن قولهم : إن كل تعليم وتعلم ذهني فبعلم قد سبق ، ليس الغرض به أي سبق اتفق ، بل أن يكون سبقا نافعا في التعليم والتعلم ، وحاصل الوجود في هذا التعلم حصول العلة مع المعلول . وأما الإحساس الأول فليس شيئا موصلا إلى الإحساس الثاني ولا جزءا من السبب الموصل إلى الإحساس الثاني نافعا فيه ، موجودا معه . فإن أريد أن يكون هذا الكلام على هذا
--> ( 1 ) الضمير هو قياس طويت مقدمته الكبرى إما لظهورها أو لإخفاء كذبها . ( 2 ) س وغير ذلك . ( 3 ) م مقدم . ( 4 ) س ذلك ( 5 ) س هذا واعلم . ( 6 ) إذا كان ساقطة من س .